D:\TIM YBM\COVID 19\91433936_10218519924242881_6010322108117155840_o.jpg

IBADAH DI RUMAH ATAU DI MASJID?

FIKIH WABAH (2)

Dr. KH. Agus Hasan Bashori al-Sanuwi, Lc., M.Ag.

(Pengasuh Ponpes al-Umm Malang)

7 Sya’ban 1441 H/ 2 April 2020

فقه الأوبئة

هل نصلى في المسجد أم في البيت؟

د. أغوس حسن بصري، رئيس مؤسسة بناء المجتمع ومعهد الأم الإسلامي

أيام الوباء أيام الشدة

  1. حدَّثَنَا يُوْنُسُ بنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى مَيْمُوْنِ بنِ مِهْرَانَ (الرَقِّي، 117ه) بَعْد طَاعُوْنٍ كَانَ بِبِلاَدِهِم أَسْأَلُهُ عَنْ أَهْلِهِ؟

فَكَتَبَ إِلَيَّ: بَلَغَنِي كِتَابُكَ، وَإِنَّهُ مَاتَ مِنْ أَهْلِي وَخَاصَّتِي سَبْعَةَ عَشَرَ إِنْسَاناً، وَإِنِّي أَكْرَهُ البَلاَءَ إِذَا أَقْبَلَ، فَإِذَا أَدْبَرَ، لَمْ يَسُرَّنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. (سير أعلام النبلاء ط الرسالة (5/ 75))

  1. لما وقعت الفاجعة الكبيرة في طاعون عمواس” ( قرية فلسطينية كانت تقع على نحو 28 كم جنوب شرق يافا وهدمها المحتلون اليهود 1967م) الذي عمّ بلاد الشام سنة 18هـ، وأدى إلى وفاة عدد كبير 25-30,000 ألف منهم من الصحابة وأعيان التابعين فيها) اشتد البلاء بأهل الشام حتى أقسم [الخليفة] عمر (ت 23هـ) ألا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيا الناس؛ وفقا لرواية المؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ) في كتابه ‘الكامل‘.

واجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (13- 23هـ) مشكلة المجاعة حين انحبس المطر عن جزيرة العرب عام 18هـ الذي سمي عام الرمادة. وزاد المشكلة تعقيدًا تزامن المجاعة مع طاعون عمواس الذي اجتاح شطرًا من بلاد الشام في عامي 17 و 18هـ (دامت المجاعة 9 أشهر) انظر الطبقات الكبرى ط العلمية (3/ 215))

وعلى الرغم من حداثة الدولة واتساعها الكبير حينئذٍ فإن عمر تصدى للمجاعة بقوة وحكمة وضرب أروع الأمثلة لما يجب أن يكون عليه الحاكم المسلم المسؤول عن رعيته في كل شبر من أرضها.

أ. فقد سعى لجلب الطعام من مصر والعراق،

ب. وأشرف بنفسه على توزيعه،

ج. وشارك الرعية مصابهم فمنع نفسه طيب الطعام أو الأكل في بيته.

د. كما أخَّر جباية الزكاة

ه. ولم ينفذ حد السرقة عام المجاعة لشبهة الاضطرار،

و.وتوجه مع المسلمين إلى الله بالدعاء ().

ز وبعد انتهاء المجاعة أمر عمر عامله على مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه بحفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر لضمان سهولة إمداد الطعام من مصر إلى جزيرة العرب

  1. زَعَمَ عَوَانَةُ قَالَ: ” لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ الْجَارِفُ بِالْبَصْرَةِ، وَذَهَبَ النَّاسُ فِيهِ وَعَجَزُوا عَنْ مَوْتَاهُمْ، وَكَانَتِ السِّبَاعُ تَدْخُلُ الْبُيُوتَ فَتُصِيبُ مِنَ الْمَوْتَى، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعِينَ أَيَّامَ مُصْعَبٍ، وَكَانَ يَمُوتُ فِي الْيَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَبَقِيَتْ جَارِيَةٌ مِنْ بَنِي عَجْلٍ، وَمَاتَ أَهْلُهَا جَمِيعًا، فَسَمِعَتْ عُوَاءَ الذِّئْبِ فَقَالَتْ:

[البحر الطويل]

أَلَا أَيُّهَا الذِّئْبُ الْمُنَادِي بِسُحْرَةِ هَلُمَّ أَبُثَّكَ الَّذِي قَدْ بَدَا لَنَا

بَدَا لِي أَنْ قَدْ يَتِمْتُ وَإِنَّنِي بَقِيَّةُ قَوْمٍ أُورِثُوا فِي الْمَبَاكِيَا

وَلَا ضَيْرَ أَنِّي سَوْفَ أَتْبَعُ مَنْ مَضَى وَيَتْبَعُنِي مِنْ بَعْدُ مَنْ كَانَ تَالِيَا (الاعتبار وأعقاب السرور لابن أبي الدنيا (ص: 58))

  1. هذه الشدة وقعت في هذا الزمان باتشار مرض كورونا فيروس-19 (كوفيد-19) في 183 دولة ، أعلاها من حيث عدد الضحايا أمريكا وأدناها تيمور الشرقية. علما أن عدد دول العالم يبلغ 197 دولة اعتمادا على عدد الدول الأعضاء الأصليين في منظمة الأمم المتحدة ويضاف إليهم دولتين مراقبين وهما فلسطين والفاتيكان بالإضافة إلى دولتين معترف بهما دوليا وهو إقليم كوسوفو الذي اعترفت به مائة وثمانية دولة من بين الدول الأعضاء، ثم تايوان والتي تعتبر دولة.

إذن في الشهر الرابع من انتشار فيروس ووهان الصين لا يسلم منه إلا 14 دولة.

حكمة جديدة من جائحة كوفيد-19

حكمة جديدة من جائحة كوفيد-19 العالمية

حدوث هذا الوباء العالمي بمقتضى حكمة الباري يخلفه حكم كثيرة، منها ظهور ما يسمى بفقه الأوبئة، وذلك شدة ضربة هذا الوباء تجعل المجامع الفقهية ومجالس العلماء تصدر فتوى بجواز ترك الجمعة والجماعة، بل بعض العلماء طلب إصدار الفتوى بجواز االصلاة بلا وضوء ولا تيمم للأطباء. ولشدة الصدمة حتى تصرف بعض المسلمين تصرفا غريبا بلا صدور فتوى مثل صلوا بصفوف مفرجة أي يكون بين كل شخش فرجة قدرها متر وأكثر خوفا من العدوى، وبعضهم اجتمعوا يوم الجمعة ولا يصلون الجمعة بل يصلون الظهر.

ولذا ظهر فقه جديد باسم فقه الأوبئة. من مباحثها:

  1. لماذا حتى المساجد أغلقت عن الناس؟ قمت بكتابة المقالة بهذا العنوان:

الرابط:

https://www.agushasanbashori.com/mengapa-masjid-pun-ikut-libur-dan-tutup/

وبمحاضرة تلفيزونية بنفس العنوان.

  1. أين يصلون هل في المسجد أم في البيت؟ قمت بمحاضرة تلفيزونية ثم بكتابة المقالة بنفس العنوان.

  2. أثر على صلاو الجمعة والجماعة في المسجد (الحجر النزلي))

  3. تأثير الوباء على العقود المالية وعقود الزواج

  4. الفتوى في زمن الوباء وتأثيرها في وحدة الأمة

  5. دور العلماء والدعاة زمن الوباء في تعزيز فقه المرجع

  6. دور العلماء والدعاة في تربية الأمة بالنوازل

  7. دور العلماء والدعاة في دعوةغير المسلمين من خلال جائحة فيروس كورونا-19

  8. النوازل المتعلقة بالطاقم الطبي.

  9. إظهار محاسن الإسلام في التوقي من الوباء ومنع انتشاره

  10. وغير ذلك

حكم الجماعة والجمعة

حثّت الشريعة على فضل صلاة الجماعة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، (متفق عليه)

وحكم صلاة الجماعة يمكن تلخيصه في قولين:

الأول: الوجوب العيني: عطاء والأوزاعي وأبو ثور، وهو مذهب أحمد وابن حزم واختاره ابن تيمية، وهؤلاء حملوا كل أمر في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب.

الثاني: عدم الوجوب العيني (الجمهور): فقال أبو حنيفة ومالك بالسنية، وقال الشافعي: واجب كفائي.

وقد تأولوا أدلة الفريق الأول، وجعلوا الأمر للندب واستدلوا بأدلة أخرى لا مجال لذكرها هنا.

حكم صلاة الجمعة

وأما صلاة الجمعة فلا خلاف في وجوبها، والصحيح أن وجوبها على الأعيان، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]،

وعند مسلم عن الْحَكَم بْن مِينَاءَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ».

أين كان سلفنا الصالح يصلون زمن الوباء أو الطاعون؟

بعضهم يصلون في المسجد، خاصة الذين يرون أن الطاعون رحمة وأنهم يطلبون نصيبا من هذا الطاعون. هؤلاء لا يرون بأسا أن يصلوا في المساجد. مثل الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وهم أمراء الناس في زمانهم، ومثل الصحابي شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، أَبُو وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ، وعَبْسٍ الْغِفَارِيِّ

وبعضهم يجتنبون التجمع حتى في المسجد للجماعة والجمعة مثل عمرو بن العاص وهو أمير الناس في ومانه (ووافقهم عمر جميعا)

مسند أحمد ط الرسالة (3/ 225) –

قَالَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ (ت 112هـ) عن رابِّهِ (= زوج أمّه) : لَمَّا اشْتَعَلَ الْوَجَعُ (طَاعُونَ عَمَوَاسَ 18 ه) ، قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي النَّاسِ خَطِيبًا (في المسجد) (58 سنة)، فَقَالَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُ مِنْهُ حَظَّهُ “. قَالَ: فَطُعِنَ فَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ،

الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (22/ 396)

في مستدرك الحاكم، عن أبي سعيد المقبري قال لما طعن أبو عبيدة قال يا معاذ صل بالناس، فصلى معاذ بالناس ثم مات أبو عبيدة بن الجراح فقام معاذ في الناس فقل يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحًا

مسند أحمد ط الرسالة (3/ 225)

وَاسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ (في المسجد) (عمره 34 ه) فَقَالَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُ “.

قَالَ: فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، فَمَاتَ، ثُمَّ قَامَ فَدَعَا رَبَّهُ لِنَفْسِهِ، فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يُقَبِّلُ ظَهْرَ كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ” مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا “.

المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (5/ 285)

قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَتُهَاجِرُونَ إِلَى الشَّامِ فَيُفْتَحُ لَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ دَاءٌ كَالدُّمَّلِ أَوْ كَالْحَرَّةِ يَأْخُذُ بِمَرَاقِّ الرَّجُلِ يَسْتَشْهِدُ اللَّهُ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيُزَكِّي بِهِ أَعْمَالَهُمْ» اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطِهِ هُوَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنْهُ، فَأَصَابَهُمُ الطَّاعُونُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَطُعِنَ فِي أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا حُمْرَ النَّعَم. (حم) 22088 , قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: المرفوع منه صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف

طرح التثريب في شرح التقريب (1/ 113)

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّا كُنَّا لَنُشَبِّهُ مُعَاذًا بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ تُوُفِّيَ بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَقِيلَ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ رَجُلٌ.

فَلَمَّا مَاتَ اسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ إِذَا وَقَعَ فَإِنَّمَا يَشْتَعِلُ اشْتِعَالَ النَّارِ، فَتَجَبَّلُوا مِنْهُ فِي الْجِبَالِ “. ((شرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 424) وروى أيوب عن أبى قلابة، عن عمرو بن العاص قال: (تفرقوا عن هذا الرجز فى الشعب والأدوية ورؤوس الجبال.))

فَقَالَ لَهُ أَبُو وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ:”كَذَبْتَ وَاللَّهِ، لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتَ شَرٌّ مِنْ حِمَارِي هَذَا (أي: كافر)”.

قَالَ: “وَاللَّهِ مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ مَا تَقُولُ، وَايْمُ اللَّهِ لَا نُقِيمُ عَلَيْهِ،

ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ النَّاسُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ (تركوا المدينة بما فيما من المسجد) وَدَفَعَهُ اللهُ عَنْهُمْ.

قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْ رَأْيِ عَمْرٍو فَوَاللهِ مَا كَرِهَهُ

بعض المصادر:

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص بالتوجه بسكان المدن إلى الجبال، فالطاعون لاينتشر عند أهل الجبال؛ عندها اختفى الوباء بهذه الحيلة.

خَطَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْسٌ، فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَفِي هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ قَالَ: فَغَضِبَ فَجَاءَ وَهُوَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُعَلِّقٌ نَعْلَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَمْرٌو أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ، وَلَكِنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَوَفَاةُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ» (فَاجْتَمِعُوا لَهُ وَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ“.) (حم) 17753

ملاحظات:

  1. ) كلا النظرتين والموقفين صحيح: الطاعون/ الوباء القاتل عذاب من جهة، ورحمة من جهة أخرى

صحيح البخاري (4/ 175) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي «أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ»

  1. موقف أبي عبيدة ومعاذ: طلب الموت في الطاعون: مسلك شخصي، لذا دعا لنفسه وأهل بيته ولم يطلب للناس جميعا

لما اشتدّ الوجع فهمنا الناس قالوا لمعاذ بن جبل ادعُ الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال : إنه ليس برجز، ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يختصُّ الله بها من يشاء من عباده منكم

وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُ “.

  1. موقف عمور بن العاص (وتقرير الخليفة عمر له أو بإشارة عمر عليه) لإنقاذ الناس بترك التجمع والأمر بالتفرق ولإنهاء البلاء صحيح

بهذا الرأي بإذن الله يكون انتهاء الطاعون. والقول بـالتفرّق في رؤوس الجبال والشِّعاب وبطون الأوديةمتواترٌ عن عمرو بن العاص، وقد أخرجه من طرق كثيرة أبو جعفر الطبري (ت 310هـ) في ‘تهذيب الآثار‘، وابن خزيمة (ت 311هـ) وابن حبان (ت 354هـ) في صحيحيهما.

وبهذا يكون عمرو بن العاص وفق علمناأوّل من نادى بالعزل (التفرّق/ التباعد) الجماعي لمواجهة الأوبئة، والتفرّق في رؤوس الجبال وبطون الأودية يحول بلا شكّدون إقامة صلاة الجمعة والجماعات بل بترك المساجد معطلة! ؛ إذ لا تجبُ شرعا إلا على أهل الأحياء والقرى والمدن والحواضر.

  1. من يرى أنه رحمة وهو يريدها لنفسه أو يرى ما فعله أبو عبيدة ومعاذ وغيرهما فلا يدعو قنوت النازلة،

ومن يرى أن هذا البلاء العام من الشدائد يرى بقنوت النازلة

اختلف أهل العلم في القنوت للوباء والطاعون على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يقنت للوباء والطاعون: قال به بعض الأحناف وهو مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة.

القول الثاني: يقنت للوباء دون الطاعون: قول لبعض الأحناف وبعض الشافعية.

لقول الثالث: لا يقنت للوباء ولا للطاعون: قول للحنابلة وقول لبعض الأحناف.

الترجيح: الذي يترجح لي القنوت في الأوبية العامة، فالقنوت فيها أولى من القنوت على قبيلة لحيان لقتلهم عشرة من الصحابة رضي الله عنهم أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم عينًا وأولى من القنوت للمستضعفين في مكة ممن حبسوا عن الهجرة للمدينة،

لكن إذا كانت الأوبية عقوبة من الله كالأوبية التي تصيب أهل الفواحش، فهل يقنت لها؟ النفس تميل إلى عدم القنوت والله أعلم.

  1. من الفقه أن الله أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به، كسؤاله إياه فى الرزق والنصر، وليس فى دعاء المؤمن ورغبته فى ذلك إلى الله لوم ولا قدح فى دينه،

وقد كان من دعاء النبى (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا أن يقول: (وقوِّنى فى سبيلك) وفى هذا رد على الصوفية فى قولهم: إن الولى لا تتم له الولاية إلا تم له الرضا بجميع ما نزل به ولا يدعوا الله فى كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس من الولاية فى حال الكمال، وقد كان نبينا محمد عليه السلام وأصحابه، إذا نزل به شىء يكثر عليه الدعاء والرجاء فى كشفه).

  1. أن الشهادة والرحمة إنما هي لمن لم يتسبب في الوباء ثم صبر واحتسب إن هو أصابه، فالمرض في ذاته لا يستحق مدحا، وإنما الممدوح تصرف المؤمن تجاهه وهو الذي استحق عليه الشهادة والرحمة.

النظر في تعليق الجماعات والجمعات

ينبغي أن ينظر إلى حكم تعليق الجماعات والجمع على هذا النحو:

1) شريعة الله سبحانه وتعالى جعلت من أهم مقاصدها حفظ النفس، وهذا المقصد يأتي بعد مقصد حفظ الدين، وقد قال ربنا سبحانه:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة: 195]، وقال جلّ شانه:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً }[النساء: 29]، وقال سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

2) أن شريعة الله قائمة على التيسير لا التعسير، والتخفيف لا التشديد، قال تعالى:{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج: 78]، وقال جلّ شأنه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

3) إذا تحقق وجود ضرر لا يحتمل في عبادة فرُخصُ الله حاضرةٌ للناس، روى أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ[5]“، وعند ابن حبان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ[6]».

4) إذا تحقق وجود الضرر وجبت إزالته، جاء بالمسند عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ[7]“، وقد أجمع العلماء على أن (الضرر يزال)، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية الكبرى.

5) ذكر العلماء أسباباً لترك صلاة الجماعة، ومنها الخوف، سواء كان الخوف على النفس أو المال أو الأهل، والخوف على النفس والأهل حاصل إذا وُجد البلاء (فيروس كورونا) لذا جاز ترك صلاة الجماعة.

6) ولما كانت الجمعة يُشترط لها الجماعة والمسجدية (صلاتها في المسجد) فإذا انتشر الوباء كـــ (فيروس كورونا) فواجب تعليق الجمعة لما قد يتحصل من الضرر بالاجتماع الذي هو مظنة نقل العدوى.

7) ثبت في التاريخ الإسلامي تعطل المساجد بأسباب كثيرة منها الوباء.

صوّر لنا الإمام المؤرخ ابن الجوزي (ت 597هـ) وباء فاحشا وقع سنة 449هـ، فشغل الدنيا حينها وملأ حياة الناس رعبا، كما يفعل اليوم وباء فيروس كورونا/ كوفيد 19″! قائلا: “وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرِف زائد عن الحد، والناس يمرّون.. فلا يرون إلا أسواقا فارغة وطرقات خالية وأبوابا مغلقة..، وخلت أكثر المساجد من الجماعات“!!

  1. فقد أثّر هذا الوباء المستجدُّ (كوفيد-19) على أدق تفاصيل عالَمنا؛ فأوقف أشغال البشر، وعطّل دراستهم، وأجّل أسفارهم، وأبطل خططهم، وباعد بينهم حين أقعدهم منعزلين في بيوتهم.

واتفقت أغلبية حكومات الدول الإسلامية رغم خلافاتها السياسيّةعلى إغلاق أماكن التجمع كلّها بما فيها المساجد ودُور العبادة، وبموافقة كثيرٍ من المجامع الفقهية ودُور الإفتاء؛

  1. في إندونيسيا يوجد فتوى من مجلس العلماء الاندونيسي لجواز ترك الجمعة والجماعة خوفا من الوباء وقطعا لانتشار الوباء، ويوجد التعليمات من السلطة المركزية إلى ولى المدينة بل إلى أدنى من ذلك بأمر ترك التجمع ولزوم البيت أو الحجر المنزلي تطوعا ثم تطور إلى حجر المدينة.

اعتزال فردي

على المستوى الفردي للشخص المسلم؛ ذكرت كتب السير والتواريخ والتراجم كثيرًا من الأحوال التي اعتزل فيها السلف المساجد والتغيّب عن حضور صلوات الجماعة والجمعة

  1. الإمام مسروق

الطبقات الكبرى ط العلمية (6/ 142)

عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: بَلَغَنَا بِالْكُوفَةِ أَنَّ مَسْرُوقًا كَانَ يَفِرُّ مِنَ الطَّاعُونِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْنَسْأَلْهَا. فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَسَأَلْنَاهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: كَلا وَاللَّهِ مَا كان يفر وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ:

أَيَّامُ تَشَاغُلٍ فَأُحِبُّ أَنْ أَخْلُوَ لِلْعِبَادَةِ. فَكَانَ يَتَنَحَّى فَيَخْلُو لِلْعِبَادَةِ. قَالَتْ فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبْكِي مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ. قَالَتْ وَكَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَ قَدَمَاهُ.

فكان صنيع هذا الإمام الكبير في ترك الجمعة والجماعة إذا خاف من ذلك ضررًا أكبريكون أصلا في تركهما في أيام الطاعون أو الوباء وفي كلّ ما يمكن أن تترتب عليه مفسدةٌ عظيمة، بعد ما فعل عمرو بن العاص في إخراج الناس إلى الجبال وترك التجمع لهما

بعدهما جاء الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير (ت 95هـ)

  1. الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير (ت 95هـ)

نقل الإمام الذهبيّ (ت 748هـ) –في ‘سير أعلام النبلاء‘عن الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير (ت 95هـ) أنه كان إذا هاج الناسُ (اقتتلوا) يلزمُ قعر بيته، ولا يقرب لهم جمعة ولا جماعة حتى تنجلي [الفتنة]”.

بهذا استجاز غير واحد من الأئمة الاعتزال خشية الفتنة عند حصول اضطرابٍ سياسيّ أو غيره،

  1. الإمام مالك

ثم ورد أيضا عن الإمام مالك (ت 179هـ) شيءٌ يشبه هذا حين اعتكف في بيته آخرَ عمره… [فـ]ـأقام ثماني عشرة سنة لم يخرج إلى المسجدالنبوي؛ حسب ما أورده القرطبيّ (ت 672هـ) في كتابه ‘التذكرة‘.

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 1095)

ثم اعتزل مالك آخر عمره رضي الله عنه فيروي عنه أنه أقام ثماني سنة لم يخرج إلى المسجد فقيل له في ذلك، فقال: «ليس كل واحد يمكنه أن يخبر بعذره»،

واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال: فقيل لئلا يرى المناكير، وقيل لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل كانت به أبردة (الزكام)، فكان يرى تنزيه المسجد عنها. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي كتاب سراج المريدين له.

  1. الإمام الشافعي

ثم يأتي الإمام الشافعيُّ (ت 204هـ) ذكر صورًا عديدةً للأعذار الشرعية المغيِّبة عن الجمعة، فعدّ في مقدمتها الأمراض.

ولعل أطرف ما ذكره منها هو التغيّب عن صلاة الجماعة خوفًا من المطاردة السياسية من قبل السلطة، فقال في كتابه ‘الأمّ‘: “إن كان خائفا إذا خرج إلى الجمعة أن يحبسه السلطان بغير حق كان له التخلف عن الجمعة“.

وألطفُ من ذلك بذل العذر للمصلي في ترك الجمعة لمن كان مدينًا مُعسِرًا لا يجدُ مالا لسداد دينه ويخافُ أن يباغته الدائن فيُحبَس بذلك؛ فقال الشافعي في ‘الأم‘ أيضا: “وإن كان تغيّبه عن غريم (= الدائن) لعُسرة وَسِعَه التخلّف عن الجمعة“.

وبالعكس؛ أجاز فقهاء لصاحب الدين التغيب عن الجماعة إذا خشي اختفاء مدينه وفوات حقه، فقد استنبط الإمام بدر الدين العيني (ت 855هـ) –في ‘عمدة القاري شرح صحيح البخاري‘من أحد أحاديث البخاري جواز التخلف عن الجماعة [لـ]ـخوف فوات الغريم (= المدين)”.

وهكذا توسّعت كتب الفقه المذهبية في تفاصيل ذلك إن خاف المسلم ضررًا على نفسه أو غيره، سواء كان منشأ ذلك الضرر مرضًا أو مخاوف أمنية أو كارثة بيئية أو حتى حرجًا نفسيًّا.

  1. العلماء في محنة خلق القرآن

وكذلك فعل بعض العلماء احتجاجا على إجبار السلطة العباسية أيام المأمون (ت 218هـ) للناس في مسألة ‘خلق القرآن‘؛ فابن أيبك الدَّوَاداري (ت بعد 736هـ) يقول في ‘كنز الدرر وجامع الغرر‘إنه في سنة 218هـ كان ابتداء المحنة العظيمة وإظهار القول بخلق القرآن، وقـُتل من خالف، واختفت العلماء والأئمة في منازلهم وامتنعوا من الصلوات في الجوامع، وقتل منهم خلق كثير“.

الخلاصة: إذا أغلق المسجد عن عامة الناس لعذر أو عدم استطاعة القائمين على المسجد على وقاية سلامة الجماعة من الوباء أو لصعوبة الوصول إلى المسجد أو خوف شديد فليصل المسلم في بيته كما فعل بعض أئمة السلف الصالح وكما أفتى به العلماء وكما قرره الأمراء.

(اختصارا للمقالة نجعل أمثلة تعطل المساجد أو خلوها عن المصلين ومن الوباء عبر التاريخ في مقالة مستقلة)

العالمية

حدوث هذا الوباء العالمي بمقتضى حكمة الباري يخلفه حكم كثيرة، منها ظهور ما يسمى بفقه الأوبئة، وذلك شدة ضربة هذا الوباء تجعل المجامع الفقهية ومجالس العلماء تصدر فتوى بجواز ترك الجمعة والجماعة، بل بعض العلماء طلب إصدار الفتوى بجواز االصلاة بلا وضوء ولا تيمم للأطباء. ولشدة الصدمة حتى تصرف بعض المسلمين تصرفا غريبا بلا صدور فتوى مثل صلوا بصفوف مفرجة أي يكون بين كل شخش فرجة قدرها متر وأكثر خوفا من العدوى، وبعضهم اجتمعوا يوم الجمعة ولا يصلون الجمعة بل يصلون الظهر.

ولذا ظهر فقه جديد باسم فقه الأوبئة. من مباحثها:

  1. لماذا حتى المساجد أغلقت عن الناس؟ قمت بكتابة المقالة بهذا العنوان:

الرابط:

https://www.agushasanbashori.com/mengapa-masjid-pun-ikut-libur-dan-tutup/

وبمحاضرة تلفيزونية بنفس العنوان.

  1. أين يصلون هل في المسجد أم في البيت؟ قمت بمحاضرة تلفيزونية ثم بكتابة المقالة بنفس العنوان.
  2. أثر على صلاو الجمعة والجماعة في المسجد (الحجر النزلي))
  3. تأثير الوباء على العقود المالية وعقود الزواج
  4. الفتوى في زمن الوباء وتأثيرها في وحدة الأمة
  5. دور العلماء والدعاة زمن الوباء في تعزيز فقه المرجع
  6. دور العلماء والدعاة في تربية الأمة بالنوازل
  7. دور العلماء والدعاة في دعوةغير المسلمين من خلال جائحة فيروس كورونا-19
  8. النوازل المتعلقة بالطاقم الطبي.
  9. إظهار محاسن الإسلام في التوقي من الوباء ومنع انتشاره
  10. وغير ذلك

حكم الجماعة والجمعة

حثّت الشريعة على فضل صلاة الجماعة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، (متفق عليه)

وحكم صلاة الجماعة يمكن تلخيصه في قولين:

الأول: الوجوب العيني: عطاء والأوزاعي وأبو ثور، وهو مذهب أحمد وابن حزم واختاره ابن تيمية، وهؤلاء حملوا كل أمر في كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب.

الثاني: عدم الوجوب العيني (الجمهور): فقال أبو حنيفة ومالك بالسنية، وقال الشافعي: واجب كفائي.

وقد تأولوا أدلة الفريق الأول، وجعلوا الأمر للندب واستدلوا بأدلة أخرى لا مجال لذكرها هنا.

حكم صلاة الجمعة

وأما صلاة الجمعة فلا خلاف في وجوبها، والصحيح أن وجوبها على الأعيان، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]،

وعند مسلم عن الْحَكَم بْن مِينَاءَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ».

أين كان سلفنا الصالح يصلون زمن الوباء أو الطاعون؟

بعضهم يصلون في المسجد، خاصة الذين يرون أن الطاعون رحمة وأنهم يطلبون نصيبا من هذا الطاعون. هؤلاء لا يرون بأسا أن يصلوا في المساجد. مثل الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وهم أمراء الناس في زمانهم، ومثل الصحابي شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، أَبُو وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ، وعَبْسٍ الْغِفَارِيِّ

وبعضهم يجتنبون التجمع حتى في المسجد للجماعة والجمعة مثل عمرو بن العاص وهو أمير الناس في ومانه (ووافقهم عمر جميعا)

مسند أحمد ط الرسالة (3/ 225) –

قَالَ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ (ت 112هـ) عن رابِّهِ (= زوج أمّه) : لَمَّا اشْتَعَلَ الْوَجَعُ (طَاعُونَ عَمَوَاسَ 18 ه) ، قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي النَّاسِ خَطِيبًا (في المسجد) (58 سنة)، فَقَالَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لَهُ مِنْهُ حَظَّهُ “. قَالَ: فَطُعِنَ فَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ،

الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (22/ 396)

في مستدرك الحاكم، عن أبي سعيد المقبري قال لما طعن أبو عبيدة قال يا معاذ صل بالناس، فصلى معاذ بالناس ثم مات أبو عبيدة بن الجراح فقام معاذ في الناس فقل يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحًا

مسند أحمد ط الرسالة (3/ 225)

وَاسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ (في المسجد) (عمره 34 ه) فَقَالَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُ “.

قَالَ: فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ، فَمَاتَ، ثُمَّ قَامَ فَدَعَا رَبَّهُ لِنَفْسِهِ، فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يُقَبِّلُ ظَهْرَ كَفِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ” مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا “.

المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة (5/ 285)

قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَتُهَاجِرُونَ إِلَى الشَّامِ فَيُفْتَحُ لَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ دَاءٌ كَالدُّمَّلِ أَوْ كَالْحَرَّةِ يَأْخُذُ بِمَرَاقِّ الرَّجُلِ يَسْتَشْهِدُ اللَّهُ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيُزَكِّي بِهِ أَعْمَالَهُمْ» اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطِهِ هُوَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنْهُ، فَأَصَابَهُمُ الطَّاعُونُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَطُعِنَ فِي أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا حُمْرَ النَّعَم. (حم) 22088 , قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: المرفوع منه صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف

طرح التثريب في شرح التقريب (1/ 113)

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّا كُنَّا لَنُشَبِّهُ مُعَاذًا بِإِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ تُوُفِّيَ بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَقِيلَ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ رَجُلٌ.

فَلَمَّا مَاتَ اسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ إِذَا وَقَعَ فَإِنَّمَا يَشْتَعِلُ اشْتِعَالَ النَّارِ، فَتَجَبَّلُوا مِنْهُ فِي الْجِبَالِ “. ((شرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 424) وروى أيوب عن أبى قلابة، عن عمرو بن العاص قال: (تفرقوا عن هذا الرجز فى الشعب والأدوية ورؤوس الجبال.))

فَقَالَ لَهُ أَبُو وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ:”كَذَبْتَ وَاللَّهِ، لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتَ شَرٌّ مِنْ حِمَارِي هَذَا (أي: كافر)”.

قَالَ: “وَاللَّهِ مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ مَا تَقُولُ”، “وَايْمُ اللَّهِ لَا نُقِيمُ عَلَيْهِ”،

ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ النَّاسُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ (تركوا المدينة بما فيما من المسجد) وَدَفَعَهُ اللهُ عَنْهُمْ.

قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْ رَأْيِ عَمْرٍو فَوَاللهِ مَا كَرِهَهُ

بعض المصادر:

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص بالتوجه بسكان المدن إلى الجبال، فالطاعون لاينتشر عند أهل الجبال؛ عندها اختفى الوباء بهذه الحيلة.

خَطَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْسٌ، فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَفِي هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ قَالَ: فَغَضِبَ فَجَاءَ وَهُوَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُعَلِّقٌ نَعْلَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَمْرٌو أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ، وَلَكِنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَوَفَاةُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ» (فَاجْتَمِعُوا لَهُ وَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ”.) (حم) 17753

ملاحظات:

  1. ) كلا النظرتين والموقفين صحيح: الطاعون/ الوباء القاتل عذاب من جهة، ورحمة من جهة أخرى

صحيح البخاري (4/ 175) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي «أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ»

  1. موقف أبي عبيدة ومعاذ: طلب الموت في الطاعون: مسلك شخصي، لذا دعا لنفسه وأهل بيته ولم يطلب للناس جميعا

لما اشتدّ الوجع فهمنا الناس قالوا لمعاذ بن جبل ادعُ الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال : إنه ليس برجز، ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يختصُّ الله بها من يشاء من عباده منكم

وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ مِنْهُ حَظَّهُ “.

  1. موقف عمور بن العاص (وتقرير الخليفة عمر له أو بإشارة عمر عليه) لإنقاذ الناس بترك التجمع والأمر بالتفرق ولإنهاء البلاء صحيح

بهذا الرأي بإذن الله يكون انتهاء الطاعون. والقول بـ”التفرّق في رؤوس الجبال والشِّعاب وبطون الأودية” متواترٌ عن عمرو بن العاص، وقد أخرجه من طرق كثيرة أبو جعفر الطبري (ت 310هـ) في ‘تهذيب الآثار‘، وابن خزيمة (ت 311هـ) وابن حبان (ت 354هـ) في صحيحيهما.

وبهذا يكون عمرو بن العاص -وفق علمنا- أوّل من نادى بالعزل (التفرّق/ التباعد) الجماعي لمواجهة الأوبئة، والتفرّق في رؤوس الجبال وبطون الأودية يحول -بلا شكّ- دون إقامة صلاة الجمعة والجماعات بل بترك المساجد معطلة! ؛ إذ لا تجبُ شرعا إلا على أهل الأحياء والقرى والمدن والحواضر.

  1. من يرى أنه رحمة وهو يريدها لنفسه أو يرى ما فعله أبو عبيدة ومعاذ وغيرهما فلا يدعو قنوت النازلة،

ومن يرى أن هذا البلاء العام من الشدائد يرى بقنوت النازلة

اختلف أهل العلم في القنوت للوباء والطاعون على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يقنت للوباء والطاعون: قال به بعض الأحناف وهو مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة.

القول الثاني: يقنت للوباء دون الطاعون: قول لبعض الأحناف وبعض الشافعية.

لقول الثالث: لا يقنت للوباء ولا للطاعون: قول للحنابلة وقول لبعض الأحناف.

الترجيح: الذي يترجح لي القنوت في الأوبية العامة، فالقنوت فيها أولى من القنوت على قبيلة لحيان لقتلهم عشرة من الصحابة رضي الله عنهم أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم عينًا وأولى من القنوت للمستضعفين في مكة ممن حبسوا عن الهجرة للمدينة،

لكن إذا كانت الأوبية عقوبة من الله كالأوبية التي تصيب أهل الفواحش، فهل يقنت لها؟ النفس تميل إلى عدم القنوت والله أعلم.

  1. من الفقه أن الله أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به، كسؤاله إياه فى الرزق والنصر، وليس فى دعاء المؤمن ورغبته فى ذلك إلى الله لوم ولا قدح فى دينه،

وقد كان من دعاء النبى (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا أن يقول: (وقوِّنى فى سبيلك) وفى هذا رد على الصوفية فى قولهم: إن الولى لا تتم له الولاية إلا تم له الرضا بجميع ما نزل به ولا يدعوا الله فى كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس من الولاية فى حال الكمال، وقد كان نبينا محمد عليه السلام وأصحابه، إذا نزل به شىء يكثر عليه الدعاء والرجاء فى كشفه).

  1. أن الشهادة والرحمة إنما هي لمن لم يتسبب في الوباء ثم صبر واحتسب إن هو أصابه، فالمرض في ذاته لا يستحق مدحا، وإنما الممدوح تصرف المؤمن تجاهه وهو الذي استحق عليه الشهادة والرحمة.

النظر في تعليق الجماعات والجمعات

ينبغي أن ينظر إلى حكم تعليق الجماعات والجمع على هذا النحو:

1) شريعة الله سبحانه وتعالى جعلت من أهم مقاصدها حفظ النفس، وهذا المقصد يأتي بعد مقصد حفظ الدين، وقد قال ربنا سبحانه:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة: 195]، وقال جلّ شانه:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً }[النساء: 29]، وقال سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

2) أن شريعة الله قائمة على التيسير لا التعسير، والتخفيف لا التشديد، قال تعالى:{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج: 78]، وقال جلّ شأنه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

3) إذا تحقق وجود ضرر لا يحتمل في عبادة فرُخصُ الله حاضرةٌ للناس، روى أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ[5]“، وعند ابن حبان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ[6]».

4) إذا تحقق وجود الضرر وجبت إزالته، جاء بالمسند عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ[7]“، وقد أجمع العلماء على أن (الضرر يزال)، وهذه قاعدة من القواعد الفقهية الكبرى.

5) ذكر العلماء أسباباً لترك صلاة الجماعة، ومنها الخوف، سواء كان الخوف على النفس أو المال أو الأهل، والخوف على النفس والأهل حاصل إذا وُجد البلاء (فيروس كورونا) لذا جاز ترك صلاة الجماعة.

6) ولما كانت الجمعة يُشترط لها الجماعة والمسجدية (صلاتها في المسجد) فإذا انتشر الوباء كـــ (فيروس كورونا) فواجب تعليق الجمعة لما قد يتحصل من الضرر بالاجتماع الذي هو مظنة نقل العدوى.

7) ثبت في التاريخ الإسلامي تعطل المساجد بأسباب كثيرة منها الوباء.

صوّر لنا الإمام المؤرخ ابن الجوزي (ت 597هـ) وباء فاحشا وقع سنة 449هـ، فشغل الدنيا حينها وملأ حياة الناس رعبا، كما يفعل اليوم وباء فيروس “كورونا/ كوفيد 19”! قائلا: “وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرِف زائد عن الحد…، والناس يمرّون.. فلا يرون إلا أسواقا فارغة وطرقات خالية وأبوابا مغلقة..، وخلت أكثر المساجد من الجماعات”!!

  1. فقد أثّر هذا الوباء المستجدُّ (كوفيد-19) على أدق تفاصيل عالَمنا؛ فأوقف أشغال البشر، وعطّل دراستهم، وأجّل أسفارهم، وأبطل خططهم، وباعد بينهم حين أقعدهم منعزلين في بيوتهم.

واتفقت أغلبية حكومات الدول الإسلامية -رغم خلافاتها السياسيّة- على إغلاق أماكن التجمع كلّها بما فيها المساجد ودُور العبادة، وبموافقة كثيرٍ من المجامع الفقهية ودُور الإفتاء؛

  1. في إندونيسيا يوجد فتوى من مجلس العلماء الاندونيسي لجواز ترك الجمعة والجماعة خوفا من الوباء وقطعا لانتشار الوباء، ويوجد التعليمات من السلطة المركزية إلى ولى المدينة بل إلى أدنى من ذلك بأمر ترك التجمع ولزوم البيت أو الحجر المنزلي تطوعا ثم تطور إلى حجر المدينة.

اعتزال فردي

على المستوى الفردي للشخص المسلم؛ ذكرت كتب السير والتواريخ والتراجم كثيرًا من الأحوال التي اعتزل فيها السلف المساجد والتغيّب عن حضور صلوات الجماعة والجمعة

  1. الإمام مسروق

الطبقات الكبرى ط العلمية (6/ 142)

عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: بَلَغَنَا بِالْكُوفَةِ أَنَّ مَسْرُوقًا كَانَ يَفِرُّ مِنَ الطَّاعُونِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْنَسْأَلْهَا. فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَسَأَلْنَاهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: كَلا وَاللَّهِ مَا كان يفر وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ:

أَيَّامُ تَشَاغُلٍ فَأُحِبُّ أَنْ أَخْلُوَ لِلْعِبَادَةِ. فَكَانَ يَتَنَحَّى فَيَخْلُو لِلْعِبَادَةِ. قَالَتْ فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبْكِي مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ. قَالَتْ وَكَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَ قَدَمَاهُ.

فكان صنيع هذا الإمام الكبير في ترك الجمعة والجماعة -إذا خاف من ذلك ضررًا أكبر-يكون أصلا في تركهما في أيام الطاعون أو الوباء وفي كلّ ما يمكن أن تترتب عليه مفسدةٌ عظيمة، بعد ما فعل عمرو بن العاص في إخراج الناس إلى الجبال وترك التجمع لهما

بعدهما جاء الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير (ت 95هـ)

  1. الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير (ت 95هـ)

نقل الإمام الذهبيّ (ت 748هـ) -في ‘سير أعلام النبلاء‘- عن الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير (ت 95هـ) أنه كان إذا “هاج الناسُ (اقتتلوا) يلزمُ قعر بيته، ولا يقرب لهم جمعة ولا جماعة حتى تنجلي [الفتنة]”.

بهذا استجاز غير واحد من الأئمة الاعتزال خشية الفتنة عند حصول اضطرابٍ سياسيّ أو غيره،

  1. الإمام مالك

ثم ورد أيضا عن الإمام مالك (ت 179هـ) شيءٌ يشبه هذا حين اعتكف في بيته “آخرَ عمره… [فـ]ـأقام ثماني عشرة سنة لم يخرج إلى المسجد” النبوي؛ حسب ما أورده القرطبيّ (ت 672هـ) في كتابه ‘التذكرة‘.

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 1095)

ثم اعتزل مالك آخر عمره رضي الله عنه فيروي عنه أنه أقام ثماني سنة لم يخرج إلى المسجد فقيل له في ذلك، فقال: «ليس كل واحد يمكنه أن يخبر بعذره»،

واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال: فقيل لئلا يرى المناكير، وقيل لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل كانت به أبردة (الزكام)، فكان يرى تنزيه المسجد عنها. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي كتاب سراج المريدين له.

  1. الإمام الشافعي

ثم يأتي الإمام الشافعيُّ (ت 204هـ) ذكر صورًا عديدةً للأعذار الشرعية المغيِّبة عن الجمعة، فعدّ في مقدمتها الأمراض.

ولعل أطرف ما ذكره منها هو التغيّب عن صلاة الجماعة خوفًا من المطاردة السياسية من قبل السلطة، فقال في كتابه ‘الأمّ‘: “إن كان خائفا إذا خرج إلى الجمعة أن يحبسه السلطان بغير حق كان له التخلف عن الجمعة”.

وألطفُ من ذلك بذل العذر للمصلي في ترك الجمعة لمن كان مدينًا مُعسِرًا لا يجدُ مالا لسداد دينه ويخافُ أن يباغته الدائن فيُحبَس بذلك؛ فقال الشافعي في ‘الأم‘ أيضا: “وإن كان تغيّبه عن غريم (= الدائن) لعُسرة وَسِعَه التخلّف عن الجمعة”.

وبالعكس؛ أجاز فقهاء لصاحب الدين التغيب عن الجماعة إذا خشي اختفاء مدينه وفوات حقه، فقد استنبط الإمام بدر الدين العيني (ت 855هـ) -في ‘عمدة القاري شرح صحيح البخاري‘- من أحد أحاديث البخاري “جواز التخلف عن الجماعة [لـ]ـخوف فوات الغريم (= المدين)”.

وهكذا توسّعت كتب الفقه المذهبية في تفاصيل ذلك إن خاف المسلم ضررًا على نفسه أو غيره، سواء كان منشأ ذلك الضرر مرضًا أو مخاوف أمنية أو كارثة بيئية أو حتى حرجًا نفسيًّا.

  1. العلماء في محنة خلق القرآن

وكذلك فعل بعض العلماء احتجاجا على إجبار السلطة العباسية أيام المأمون (ت 218هـ) للناس في مسألة ‘خلق القرآن‘؛ فابن أيبك الدَّوَاداري (ت بعد 736هـ) يقول -في ‘كنز الدرر وجامع الغرر‘- إنه في سنة 218هـ “كان ابتداء المحنة العظيمة وإظهار القول بخلق القرآن…، وقـُتل من خالف، واختفت العلماء والأئمة في منازلهم وامتنعوا من الصلوات في الجوامع، وقتل منهم خلق كثير”.

الخلاصة: إذا أغلق المسجد عن عامة الناس لعذر أو عدم استطاعة القائمين على المسجد على وقاية سلامة الجماعة من الوباء أو لصعوبة الوصول إلى المسجد أو خوف شديد فليصل المسلم في بيته كما فعل بعض أئمة السلف الصالح وكما أفتى به العلماء وكما قرره الأمراء.

(اختصارا للمقالة نجعل أمثلة تعطل المساجد أو خلوها عن المصلين ومن الوباء عبر التاريخ

في مقالة مستقلة)

Download PDF

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *